خطبة الجمعة المذاعة والموزعة
بتاريخ 7 من ربيع الآخر 1448هـ الموافق 18 /9/ 2026م
عاداتٌ دَخِيلَةٌ فِي الزَّوَاجِ وَالطَّلَاقِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي شَرَّفَنَا عَلَى الْأُمَمِ بِالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ، وَقَوَّمَ بِهِ نُفُوسَنَا بَيْنَ الْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ، لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ، تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلٰهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، شَهَادَةً يَبْقَى ذُخْرُهَا عَلَى التَّأْبِيدِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ أُولِي الْفَضْلِ وَالتَّسْدِيدِ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا إِلَى يَوْمِ الْمَزِيدِ {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 102]
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ:
إِنَّ مِنَ الْقَوَاعِدِ الْكُلِّيَّةِ الَّتِي قَامَتْ عَلَيْهَا الشَّرِيعَةُ الْإِسْلَامِيَّةُ: التَّيْسِيرَ عَلَى الْمُكَلَّفِينَ، وَرَفْعَ الْحَرَجِ عَنْهُمْ، وَلِذَلِكَ تَتَابَعَتْ نُصُوصُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فِي تَقْرِيرِ هَذَا الْأَصْلِ الْعَظِيمِ؛ قَالَ تَعَالَى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ } [البقرة: 185] وَقَالَ سُبْحَانَهُ: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78]
وَكَانَ هَدْيُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَائِمًا عَلَى هَذَا الْأَصْلِ؛ فَمَا خُيِّرَ بَيْنَ أَمْرَيْنِ إِلَّا اخْتَارَ أَيْسَرَهُمَا مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا، وَإِذَا كَانَتْ هَذِهِ الْقَاعِدَةُ تَجْرِي فِي الْعِبَادَاتِ وَالْمُعَامَلَاتِ كُلِّهَا، فَإِنَّهَا فِي شُؤُونِ الْأُسْرَةِ أَوْلَى وَأَجْدَرُ؛ لِأَنَّ الْأُسْرَةَ هِيَ نَوَاةُ الْمُجْتَمَعِ، وَكُلَّمَا دَخَلَهَا التَّيْسِيرُ الَّذِي جَاءَتْ بِهِ الشَّرِيعَةُ اسْتَقَرَّتِ الْبُيُوتُ، وَسَهُلَ الزَّوَاجُ، وَخَفَّتْ مَؤُونَتُهُ، وَحُفِظَتِ الْحُقُوقُ عِنْدَ الطَّلَاقِ، أَمَّا إِذَا اسْتَبْدَلَ النَّاسُ بهَدْي الشَّرِيعَةِ أَعْرَافًا مُتَكَلَّفَةً وَعَادَاتٍ دَخِيلَةً، انْقَلَبَ الْيُسْرُ عُسْرًا، وَأَصْبَحَ مَا جَعَلَهُ اللَّهُ سَبَبًا لِلسَّكَنِ وَالْمَوَدَّةِ بَابًا لِلْمَشَقَّةِ وَالنِّزَاعِ.
أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ:
مِنَ الْمُؤْلِمِ أَنْ بَعْضَ النَّاسِ لَمْ تَعُدْ تَحْكُمُهُمْ أَحْكَامُ الشَّرْعِ بِقَدْرِ مَا تَحْكُمُهُمْ عَادَاتُ الْمُجْتَمَعِ، حَتَّى غَدَتْ بَعْضُ الْأَعْرَافِ، عَلَى فَسَادِهَا وَانْحِرَافِهَا، مُقَدَّمَةً عَلَى النُّصُوصِ الشَّرْعِيَّةِ، بِحُجَّةِ أَنَّ هَذَا هُوَ السَّائِدُ عِنْدَ النَّاسِ، عَجَبًا! وَهَلْ مِيزَانُ الْحَقِّ هُوَ عَمَلُ النَّاسِ؟ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ} [الأنعام: 116]
فَأَصْبَحَ بَعْضُ النَّاسِ يَخْشَوْنَ كَلَامَ النَّاسِ أَكْثَرَ مِنْ خَشْيَتِهِمْ مُخَالَفَةَ السُّنَّةِ؛ وَلِذَا يَقُولُ قَائِلُهُمْ: أَعْرِفُ أَنَّ هَذَا تَكَلُّفٌ، لَكِنْ مَاذَا سَيَقُولُ النَّاسُ؟ وَهَكَذَا تُصْبِحُ نَظْرَةُ النَّاسِ حَاكِمَةً عَلَى الْبُيُوتِ، رَوَى أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه قَالَ: «لَا يَكُونُ أَحَدُكُمْ إِمَّعَةً». قَالُوا: وَمَا الْإِمَّعَةُ، يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ؟ قَالَ: يَقُولُ: «أَنَا مَعَ النَّاسِ؛ إِنِ اهْتَدَوْا اهْتَدَيْتُ، وَإِنْ ضَلُّوا ضَلَلْتُ، أَلَا لَيُوَطِّنَنَّ أَحَدُكُمْ نَفْسَهُ عَلَى إِنْ كَفَرَ النَّاسُ أَلَّا يَكْفُرَ».
أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ:
لَقَدْ أَوْجَبَ اللَّهُ عَلَى الزَّوْجِ الْمَهْرَ، وَجَعَلَهُ حَقًّا خَالِصًا لِلزَّوْجَةِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا} [النساء: 4] ، وَلَرُبَّمَا صَاحَبَ الْمَهْرَ بَعْضُ الْهَدَايَا الْيَسِيرَةِ مِنْ ثِيَابٍ، وَحُلِيٍّ، وَعُطُورٍ، مِنْ بَابِ تَطْيِيبِ خَاطِرِ الزَّوْجَةِ وَإِدْخَالِ السُّرُورِ عَلَيْهَا، وَهِيَ مَا تُعْرَفُ فِي مُجْتَمَعَاتِنَا بِالدَّزَّةِ، لَكِنَّهَا الْيَوْمَ قَدِ انْحَرَفَتْ عَنْ مَقْصُودِهَا، وَسَلَكَتْ فِي مُجْتَمَعَاتِنَا مَسْلَكًا غَيْرَ مَحْمُودٍ، فَخَرَجَتْ عَنْ مَعْنَاهَا الْيَسِيرِ وَالْعَفْوِيِّ، حَتَّى أَصْبَحَتْ وَسِيلَةً لِلْمُبَاهَاةِ وَالْمُكَاثَرَةِ، وَمَيْدَانًا لِلْمُرَاءَاةِ وَالزَّهْوِ، وَفَتَحَتْ عَلَى الْأُسَرِ بَابًا وَاسِعًا مِنَ التَّنَافُسِ فِي الْمَظَاهِرِ، وَالتَّكَلُّفِ فِيمَا لَا حَاجَةَ إِلَيْهِ، وَمِثْلُ هَذِهِ الْمُمَارَسَاتِ تُنَاقِضُ مَا جَاءَتْ بِهِ الشَّرِيعَةُ مِنَ الْحَثِّ عَلَى التَّيْسِيرِ، وَمُحَارَبَةِ الْإِسْرَافِ وَالْخُيَلَاءِ، وَإِغْلَاقِ أَبْوَابِ التَّفَاخُرِ بَيْنَ النَّاسِ.
عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:« إِنَّ مِنْ يُمْنِ الْمَرْأَةِ تَيْسِيرَ خِطْبَتِهَا، وَتَيْسِيرَ صَدَاقِهَا، وَتَيْسِيرَ رَحِمِهَا». [ رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَحَسَّنَهُ الْأَلْبَانِيُّ].
أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ:
وَمِنَ الْأُمُورِ الَّتِي أَثْقَلَتْ كَاهِلَ النَّاسِ فِي زَمَانِنَا: تَعَدُّدُ الْحَفَلَاتِ قَبْلَ الزَّوَاجِ وَبَعْدَهُ؛ فَمَا إِنْ يُعْقَدُ النِّكَاحُ حَتَّى تَتَوَالَى الْمُنَاسَبَاتُ، وَتَتَكَرَّرَ الْوَلَائِمُ، وَتَتَعَدَّدَ الِاحْتِفَالَاتُ، حَتَّى أَصْبَحَ الزَّوَاجُ سِلْسِلَةً مِنَ النَّفَقَاتِ الْمُتَلَاحِقَةِ، وَلَيْسَ الْإِشْكَالُ فِي الْفَرَحِ وَإِظْهَارِ السُّرُورِ، فَإِنَّ ذَلِكَ مَشْرُوعٌ، وَإِنَّمَا الْإِشْكَالُ فِي التَّكَلُّفِ وَالْمُغَالَاةِ، وَتَحْوِيلِ هَذِهِ الْمُنَاسَبَاتِ إِلَى أَعْرَافٍ يُحْرَجُ النَّاسُ بِتَرْكِهَا، وَهَكَذَا يَتَحَوَّلُ الْفَرَحُ الَّذِي أَرَادَهُ الْإِسْلَامُ مَيْسُورًا إِلَى عِبْءٍ مَالِيٍّ يُرْهِقُ الْأُسَرَ، وَيُؤَخِّرُ زَوَاجَ الشَّبَابِ، وَيُدْخِلُهُمْ فِي دَوَّامَةٍ مِنَ الدُّيُونِ لَا دَاعِيَ لَهَا.
عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم رَأَى عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ رضي الله عنه أَثَرَ صُفْرَةٍ، فَقَالَ: «مَا هَذَا؟» قَالَ: إِنِّي تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً عَلَى وَزْنِ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ. قَالَ: «بَارَكَ اللَّهُ لَكَ، أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ» . [رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ].
أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ، فَاسْتَغْفِرُوه إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.
الخطبة الثانية
الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى إِحْسَانِهِ، وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى تَوْفِيقِهِ وَامْتِنَانِهِ، وَأَشْهَدُ أَن لَّا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الدَّاعِي إِلَى رِضْوَانِهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَإِخْوَانِهِ.
أَمَّا بَعْدُ:
فَاتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ؛ فَإِنَّ فِي تَقْوَاهُ سَعَادَةً لِلْعِبَادِ، وَهِيَ خَيْرُ مَا يُتَزَوَّدُ بِهِ لِيَوْمِ الْمَعَادِ، {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [الحشر: 18].
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ:
وَكَمَا تَسَلَّلَتْ إِلَى الزَّوَاجِ أَعْرَافٌ دَخِيلَةٌ أَثْقَلَتْ كَاهِلَ النَّاسِ، فَإِنَّ الطَّلَاقَ لَمْ يَسْلَمْ هُوَ الْآخَرُ مِنْ مُمَارَسَاتٍ مُسْتَحْدَثَةٍ شَوَّهَتْ مَقْصُودَهُ الشَّرْعِيَّ، فَالطَّلَاقُ فِي الْإِسْلَامِ، وَإِنْ كَانَ مُبَاحًا عِنْدَ الْحَاجَةِ، فَإِنَّهُ نِهَايَةُ عَلَاقَةٍ قَامَتْ يَوْمًا عَلَى الْمَوَدَّةِ وَالرَّحْمَةِ؛ وَلِذَلِكَ أَحَاطَهُ الشَّرْعُ بِآدَابٍ تَحْفَظُ الْكَرَامَةَ، وَتَصُونُ الْحُقُوقَ، وَتَمْنَعُ التَّشَفِّيَ وَالِانْتِقَامَ، وَمِنْ أَقْبَحِ مَا اسْتُحْدِثَ فِي هَذَا الْبَابِ مَا يُسَمَّى بِحَفْلَةِ الطَّلَاقِ؛ إِذْ تُحَوَّلُ لَحْظَةٌ يَعْتَصِرُهَا الْأَلَمُ، وَتَتَفَكَّكُ فِيهَا أُسْرَةٌ، وَيَتَأَثَّرُ بِهَا أَبْنَاءٌ، إِلَى مُنَاسَبَةٍ لِلِاحْتِفَالِ وَإِظْهَارِ الْفَرَحِ، وَكَأَنَّ انْهِيَارَ بَيْتٍ مُسْلِمٍ مَدْعَاةٌ لِلسُّرُورِ! وَهَذَا يَتَنَافَى مَعَ مَقَاصِدِ الشَّرِيعَةِ الَّتِي أَمَرَتْ بِالْإِحْسَانِ عِنْدَ الْفِرَاقِ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ: {فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} [البقرة: 229]. فَلَيْسَ مِنَ الْإِحْسَانِ أَنْ يُسْتَقْبَلَ الطَّلَاقُ بِالْمَظَاهِرِ الصَّاخِبَةِ، وَلَا أَنْ يُسْتَثْمَرَ فِي إِشْعَالِ الضَّغَائِنِ أَوْ كَسْرِ خَاطِرِ الطَّرَفِ الْآخَرِ، وَإِنَّمَا الْمَشْرُوعُ أَنْ يُطْوَى هَذَا الْفَصْلُ مِنَ الْحَيَاةِ بِأَدَبٍ، وَسَتْرٍ، وَحِفْظٍ لِلْحُقُوقِ، وَرَحْمَةٍ بِالْأَوْلَادِ.
رَوَى مُسْلِمٌ، عَنْ جَابِرٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ إِبْلِيسَ يَضَعُ عَرْشَهُ عَلَى الْمَاءِ، ثُمَّ يَبْعَثُ سَرَايَاهُ، فَأَدْنَاهُمْ مِنْهُ مَنْزِلَةً أَعْظَمُهُمْ فِتْنَةً، يَجِيءُ أَحَدُهُمْ فَيَقُولُ: فَعَلْتُ كَذَا وَكَذَا، فَيَقُولُ: مَا صَنَعْتَ شَيْئًا، قَالَ: ثُمَّ يَجِيءُ أَحَدُهُمْ فَيَقُولُ: مَا تَرَكْتُهُ حَتَّى فَرَّقْتُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ، قَالَ: فَيُدْنِيهِ مِنْهُ وَيَقُولُ: نِعْمَ أَنْتَ». قَالَ الْأَعْمَشُ: أُرَاهُ قَالَ: «فَيَلْتَزِمُهُ».
أَمْرٌ يُحِبُّهُ إِبْلِيسُ، فَكَيْفَ يَحْتَفِلُ الْإِنْسَانُ بِهِ؟! وَهَذِهِ الْعَادَةُ – وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مَعْرُوفَةً فِي بِلَادِنَا، بِحَمْدِ اللَّهِ – فَقَدْ ظَهَرَتْ فِي بَعْضِ الْمُجْتَمَعَاتِ الْإِسْلَامِيَّةِ، وَرُوِّجَ لَهَا عَبْرَ وَسَائِلِ التَّوَاصُلِ.
أَيُّهَا الْمُبَارَكُونَ:
إِنَّ الزَّوَاجَ وَالطَّلَاقَ مِنْ أَعْظَمِ شُؤُونِ الْحَيَاةِ، وَلِذَلِكَ لَمْ يَتْرُكْهُمَا الْإِسْلَامُ لِلْأَهْوَاءِ، وَلَا لِلْعَادَاتِ الْمُتَقَلِّبَةِ، وَإِنَّمَا أَحَاطَهُمَا بِأَحْكَامٍ تَحْفَظُ الدِّينَ، وَتَصُونُ الْأُسْرَةَ، وَتُحَقِّقُ الْمَصْلَحَةَ، فَمَا وَافَقَ الشَّرْعَ مِنْ أَعْرَافِ النَّاسِ فَهُوَ مَحْمُودٌ مُعْتَبَرٌ، وَمَا خَالَفَ شَرْعَ اللَّهِ وَهَدْيَ رَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم فَلَا كَرَامَةَ لَهُ، وَلَوْ تَعَارَفَ عَلَيْهِ النَّاسُ جِيلًا بَعْدَ جِيلٍ.
فَخَفِّفُوا عَنْ شَبَابِكُمْ، وَيَسِّرُوا لَهُمْ سُبُلَ الْعَفَافِ، وَلَا تُحَمِّلُوهُمْ مِنَ النَّفَقَاتِ مَا لَمْ يُكَلِّفْهُمُ اللَّهُ بِهِ، وَإِذَا وَقَعَ الطَّلَاقُ، فَلْيَكُنْ طَلَاقًا بِإِحْسَانٍ، لَا بِتَشَفٍّ وَانْتِقَامٍ، وَلْيَكُنْ شِعَارُ الْأَزْوَاجِ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: {وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ} [البقرة: 237].
نَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يُصْلِحَ بُيُوتَ الْمُسْلِمِينَ، وَأَنْ يُؤَلِّفَ بَيْنَ قُلُوبِ الْأَزْوَاجِ. اللَّهُمَّ أَعِنَّا عَلَى حَمْلِ الأَمَانَةِ، وَجَنِّبْنَا الْغَدْرَ وَالْخِيَانَةَ، اللَّهُمَّ اكْفِنَا بِحَلاَلِكَ عَنْ حَرَامِكَ، وَأَغْنِنَا بِفَضْلِكَ عَمَّنْ سِوَاكَ. اللَّهُمَّ حَبِّبْ إِلَيْنَا الإِيمَانَ وَزَيِّنْهُ فِي قُلُوبِنَا، وَكَرِّهْ إِلَيْنَا الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ، وَاجْعَلْنَا مِنَ الرَّاشِدِينَ، اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسْلَامَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَأَذِلَّ الشِّرْكَ وَالْمُشْرِكِينَ، وَأَرْغِمِ النِّفَاقَ وَالْمُنَافِقِينَ، وَانْصُرْ دِينَكَ وِكِتَابَكَ وَسُنَّةَ نَبِيِّكَ r وَعِبَادَكَ الْمُؤْمِنِينَ. اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ، وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالأَمْوَاتِ، وَوَفِّقِ - اللَّهُمَّ - أَمِيرَنَا وَوَلِيَّ عَهْدِهِ لِهُدَاكَ، وَاجَعَلْ أَعْمَالَهُمَا فِي طَاعَتِكَ وَرِضَاكَ، وَاجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً مُطْمَئِنًّا سَخَاءً رَخَاءً، دَارَ أَمْنٍ وَإِيمَانٍ وَسَائِرَ بِلاَدِ الْمُسْلِمِينَ.
لجنة إعداد الخطبة النموذجية لصلاة الجمعة